عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
53
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
فالعالم إذا عَلَّم من يقوم به بعده ؛ فقد خلف علمًا نافعًا وصدقة جارية ؛ لأنّ تعليم العِلْم صدقة ، كما سبق عن معاذ وغيره ، والذين علمهم بمنزلة أولاد الصالحين يدعون له ، فيجتمع له بتخليف علمه هذه الخصال الثلاث . والأمر الثاني : أن من كمال ميراث العالم للرسول - عليه السلام - أن لا يخلف الدنيا كما لم يخلفها الرسول ، وهذا من جملة الاقتداء بالرسول وبسنته في زهده في الدنيا ، وتقلله منها ، واجتزائه منها باليسير . كما كان سهل التستري يقول : مِنْ عَلاَمَةِ حُبِّ السُّنَّةِ حُبُّ الآخِرَةِ وَبُغْضُ الدُّنْيَا ، وألا يأخذ مِنْهَا إِلاَّ زَادًا بُلْغَةً إِلَى الآخِرَةِ . وقال مالك بن دينار : إِنَّمَا العَالِمُ الَّذِي إِذَا أَتَيْتَهُ فِي بَيْتِهِ فَلَمْ تَجِدْهُ قَصَّ عَلَيْكَ بَيْتِهِ ، رَأَيْتَ حَصِيرَةَ الصَّلاةِ وَمُصْحَفِهِ وَمَطْهَرَتَهُ فِي جَانِبِ البَيْتِ ، تَرَى أَثَرَ الآخِرَةِ . وكان الفضيل يقول : احْذَرُوا عَالِمَ الدُّنْيَا لاَ يَصُدَّكُمْ بِسُكْرِهِ . ثم قال : إِنَّ كثيرًا مِنْ عُلَمَائِكُمْ زِيُّهُ أَشْبَهَ بِزِيِّ كِسْرَى وَقَيْصَر ، أَشْبَهُ مِنْهُ بِزِيِّ مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ ، وَلاَ قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ ، وَلَكِنْ رُفِعَ لَهُ عَلَمٌ فَشَمَّرَ إِلَيْهِ " . وكان يقول : العُلَمَاءُ كَثِيرٌ وَالحُكَمَاءُ قَلِيلٌ ، وَإِنَّمَا يُزَادُ مِنَ العِلْمِ الحِكْمَةُ ، فَمَنْ أُوتِيَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا . وهكذا كان حال العُلَمَاء الربانيين كالحسن وسفيان وأحمد ، اجتزءوا من الدنيا باليسير إلى أن خرجوا منها ، ولم يخلفوا سوى العِلْم ، مع أن بعضهم كان يلبس لباسًا حسنًا ، ويأكل أكلاً متوسطًا بعيدًا من التقشف . كالحسن البصري ؛ فإنه كان يأكل اللحم كل يوم ، كان يشتري بنصف درهم لحمًا فيطبخه مرقة طيبة فيأكل منه هو وعياله ، ويُطْعِمُ كل من دخل عليه ، وكان يلبس الثياب الحسنة ، وهو مع هذا أزهد الناس في الدنيا ، وما زاحم على شيء منها قط .